الأنثى.. لُغز المُجتمع الشرقي، والمُتسبب الأوحد في قلق نسائه، رسخوا عنها مُعتقدات خاطئة، صنعوا منها قنبلة موقوته، ما إن رآها أحدهم قذفها في وجهها دون تردد، فتلك القنبلة صنعوها منها وإليها تعود.
لا يتعاملون معها على أنها بشر من حقّه أن يعيش ويمارس حياته بشكل طبيعي بطمأنينة، بل يتعاملون معها بوضعها تحت مجهر، ويبثون داخلها مزيدًا من الضغط والقلق والتوتر، حتى تنجح وتُصبح في أعينهم مرئية كاملة، ورغم ذلك فجميعهم مصابون بالعمى الكامل لا يرون لها أو منها شيئًا.
منذ لحظتها الأولى في الحياة، ومع صرختها الأولى التي تُلازمها طوال حياتها، إلى أن يضعوها تحت المجهر، يتهافتون عليها بكلمة "عُقبال..."، التي تنقسم إلى مرحلتين، الأولى: مرحلة "قبل الزواج"، والثانية: مرحلة "بعد الزواج".
نستطرد بالأولى.. فبعد ميلادها يرددون "عُقبال ما نفرح بيها"، وتتوالى حياتها، وعلى مدار حياتها العلمية وما تُحققة من إنجاز ونجاح، تُصبح "مبروك.. عُقبال ما نفرح بيكي"، وتستمر تلك الجملة مع انخراطها في الحياة العملية ونجاحها فيها، وتحقيق إنجازات مُغايرة ترفع من شأنها وقدرها، إلى أن تُحقق رغبتهم في الفرح بها وتتزوج، هنا تأتي المرحلة الثانية، التي تبدأ من اليوم الثاني منه "عُقبال ما نباركلك قريب على الحمل"، وبعد عام وربما أكثر يُحتَفَظ بالـ"عُقبال" مضافًا إليها "ما نفرح بأولادك".
هكذا تظل حياتها في مرحلة الـ"عُقبال"، حاملة على عاتقها مسؤولية فرح الجميع من حولها.
يُفسدون عليها دائمًا لحظات حياتها ونجاحها وسعادتها ورضاها، ويُذكرونها دائمًا أن كل ما تمر به لا يعني شيئًا، فهناك شيء آخر أولى بالتهنئة والمباركات، يُعلقون كل أفعالها وأمنياتها لمرحلة "الزواج"، وكأنها ستتزوج لتحقق ما لم تستطع تحقيقه.
تعيش بين فراغات ترس كبير مسؤول عن إدارته من حولها، يربطون كل حياتها وسعادتها وفرحها بفرح واحد فقط مُجسد في فرحة الزواج. وإذا قابلتها إحداهن المُنشغلة بأمرها في أي طريق وأي وقت كان ما لم ترَ دبلة الزواج تشغل حيزًا في يدها اليسرى أو اليمنى، سرعان ما تقذف قنبلتها المسمومة في وجهها بسؤالها "ها.. مفيش جديد؟ هنفرح بيكي امتى؟ اتخطبتي ولا لسة؟ اتجوزتي ولا لسة؟ هي الرجالة عميت عن الحلاوة دي ولا إيه؟"، وكأنها تريد أن تقذف داخلها إحساسًا بأنها بلا قيمة دون زواجها. لمَ لم تسألها عن حالها، صحتها، والديها، عملها، عن أي شيء آخر في الكون، أو أن تبدي سعادتها برؤيتها وتنصرف دون كلمة ما دامت لم تر ما يُثبت زواجها بيديها؟
العرف في مجتمعنا الإسلامي بصفة عامة، أن من أهم شروط الزواج الإشهار، أي أن جميعهمن حتمًا سيعلمون بهذا النبأ العظيم الذي يهدئ من روعهم ويطمئنهم بذلك على حال البشرية كلها، ولن تتزوج عرفيًا مثلاً أو أي نوع آخر من الزواج حتى لا تُفسد عليهم فرحتهم بها.
تُعاني الأنثى طوال حياتها من الميلاد حتى الموت، حتى وإن حاولت فك القيد الذي يحيط بها، فمحاولاتها تلك هي قمة المعاناة لتعيش كما ينبغي، وأتساءل دائمًا، نحن الإناث ننادي بالحرية والتحرر من المعتقدات القاسية العالقة بنا وتعيق حياتنا وتفسد علينا الاستمتاع بها، هل سنمارس ما تعرَّضنا له مع بناتنا؟ هل ستتحرر إناث الجيل القادم مما نحاول تحريرنا منه، أم أن الموروثات والمعتقدات والأفعال راسخة وستبقى، وأصواتنا نحن هي التي ستوأد تحت التراب وتنقضي؟
لديّ أمل كبير باستطاعتنا على تحريرهن، بمواصلتنا بالفعل والمناداة والتصدي والعزيمة على تحويل الأمور رأسًا على عقب، فمع تتابع الأيام وتواليها وتغيّر الفكر من دواخلنا أولاً نستطيع، ولكن رسالتي لهؤلاء الجامدين الذين لا يرون من الأنثى إلا رَجُلاً وبيتًا:
دعوها وشأنها، اعلموا أن هناك شيئًا يحكمنا اسمه "النصيب والقدر"، ليس لدينا أي ذنب في تأخيره الذي تزعمونه، وهذا يعني أن الوقت لم يحِن بعد، ربما يكون فيه شر يؤخره الله عنهن، أو ليس لهن فيه رزق من الأساس، وأنعم الله عليهن برزق آخر أفضل، أخرجوهن من عنق الزجاجة التي تضيقونها حول رقابهن، ودعوهن وحياتهن، وانشغلوا بحياتكم أنتم.
لن تقف الكرة الأرضية، وأيضًا لن تنفرج الأزمات بزواجهن. افتحوا النافذة عن هذا البرواز الذي صممتموه ووضعتوا فيه زواجها كاملاً ملء الصورة، على الرغم من أن هناك أركانًا أخرى مختبئة خلف إطاره أخبأتموها، أعطوا لها مساحتها، زيِّنوا البرواز بسعادتها وحالها وصحتها وهواياتها وضحكها وآمالها ورضاها، وأشياء أخرى لو التفتوا إليها حتمًا ستجدونها، أحسنوا صُنع البرواز ورسمه ستجدون أن "مبروك" و"عُقبال" تتسع للكثير الذي يوجد في حياتها، فقط لو أبصرتم لها.
المقال منشور موقع نون | Nooun اضغط هنا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق