قائمة الكتب «الأكثر مبيعًا» تحوّلت لمنافسة بين دور النشر والكُتاب، وفي كثير من الأحيان لا تكون المنافسة حول جودة العمل ورسالته؛ فنجد أن هذا يعلن عن قائمة الكتب «الأكثر مبيعًا» لديه، متوجًا بها منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، أو معارض الكتب، من أجل جذب «القارئ»، وإن لم يكن «مخضرم» يُصدق وينساق لهم، فمنهم من يكتشف زيف الإعلان، ومنهم من يظل مُعتقد جودة ما قرأه، لكن هل تعتبر قائمة «الأكثر مبيعًا» دليل على نجاح وجودة العمل المُصنف ضمنها؟ وماذا عن «الطبعات الوهمية» التي توهم بها دور النشر الكاتب من أجل تحقيق رواج أعلى؟، جريدة القصة تجيب عن هذا السؤال:
قال الكاتب نزار عبد الستار -روائي عراقي- لجريدة القصة؛
تعد الكتب التي تسجل أعلى المبيعات ناجحة تجاريًا، ولكنها لا تكون كذلك من النواحي
الإبداعية والفنية، كالكتب الاستهلاكية التي تستهدف الفئات العامة من القراء وتكون
مناسبة للثقافات المسطحة، في حين أن الكتب التي تنمي الثقافة، وتعمق الخبرة، وتجعل
القاريء يرتقي بحسه وعقله، لاتنال المكانة التي تستحق. إن عدم قدرة الكتب الجيدة
نيل اهتمام الجميع يتصل بوضع الثقافة عربيًا، فمؤسساتنا التعليمية لا تنمي الثقافة
ولا تنشطها ولا تحفز على تعاطيها وبالتالي فإن القدرة على تحسس الفن واستشعار
الجودة وتحصيل النشوة الفكرية مفقودة؛ كما أن إعلانات الكتب «الأكثر مبيعًا» واحدة
من القضايا المشكوك في أمرها، وذلك لغياب الجهات المحكمة التي تقيس ولها مصداقية، وأغلب
هذه الإعلانات لدور النشر، هي نوع من الترويج الذاتي لمطبوعاتها ولا يمكن الوثوق
بها بشكل قاطع، كما أن قياس عدد الطبعات هو قضية شائكة أخرى تضاف إلى الموضوع؛ فقد
وصل الأمر بالبعض من الكتاب المهووسين بتنافسات الميديا وكذلك التزوير الذي تمارسه
بعض دور النشر عد كل «100» نسخة طبعة وهكذا صرنا نسمع عن عشرات الطبعات دون أن
تكون هناك أدلة على ذلك، والأمر الآخر الذي يجعل قضية المبيعات تغزوها الريبة هي
اتساع ظاهرة القرصنة في أغلبية الدول العربية، وبالتالي من الصعب حصر الأمر بقياس
واحد. وإذا رجعنا إلى جذر المشكلة «الثقافة» فإن القاريء العربي هو الأقل نشاطًا
عالميًا؛ فنحن نتكلم عن مبيعات مرتفعة حين يتصل الأمر بخمسة آلاف نسخة، بينما
الكتاب الكبار في الغرب كتبهم تباع بالملايين في ظرف أيام قليلة. بكل الأحوال فان
كارثتنا الأساس هي أننا أمه لا تخجل حين لا تقرأ وتكذب حين تكتب.
وتقول بسمة عبد
اللطيف قارئة وكاتبة؛ بالرغم من البريق الجذَّاب
والسّحر الذي تُحدِثُه عبارة «الأكثر مبيعًا»، والتي تُستخدم لإغراء أكبر قدر من
القرّاء لشراء كتاب معين، إلا أنّ القارئ الحصيف والمثقف الواعي الخبير بالكتب، لا
يجعل من هذه العبارة معيارًا أساسيا لاختيار كتاب ما، إنما يعتمد في ذلك على حسه
الشخصي وخبراته المتراكمة، فيستطيع بلمحة سريعة تمييز الكتاب الجيد من الردئ، ومن
المؤكد أن هناك كتبًا مميزة استحقت بجدارة أن تكون ضمن قائمة «الأكثر مبيعًا» إلا
أن هذه القائمة وللأسف تضم كتبا عادية وربما رديئة في بعض الأحيان، وذلك يعود
لأسباب عدة منها الدعاية القوية التي سبقت أو صاحبت نشر الكتاب، أو أن يكون مؤلفه
شخصية مشهورة في وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، فيتهافت المعجبون
لشراء كتابه، أو أن يكون عنوان الكتاب مثيرا، أو الغلاف جذابا؛ فيقبل القارئ على
شرائه بغض النظر عن جودة وقيمة المحتوى. هناك أيضا كتب لا تصل إلى قائمة «الأكثر
مبيعًا» بالرغم من جودتها، إما لعدم شهرة مؤلفيها، أو ضعف الترويج لها، أو لأن
أغلفتها باهتة وعناوينها غير ملفتة، و«الطبعات الوهمية» التي توهم بها دور النشر
الكاتب من أجل تحقيق رواج أعلى للأسف هذه حيلة «رخيصة» تقوم بها
(بعض) دور النشر لتحقيق أرباح مادية، ويغيب عنها أن هذا الغش والتلاعب في أعداد
الطبعات مضر للدار نفسها التي ستفقد مصداقيتها أمام القراء على المدى البعيد.
وأوضح د.محمد
الدواخلي كاتب مصري ومدير مكتبة الوفاء لبيع الكتب الورقية أن «الأكثر مبيعًا» ليس من الضروري أن
يرتبط بالجودة، وهذا في العالم أجمع، وفي مصر الفجوة أكثر عمقًا لانفصال النقد الأدبي
عن الإعلام الأدبي الحديث (الذي ترَكّز حاليًا في السوشيال ميديا)، ومن ناحية أخرى
قصوره عن المتابعة المستمرة لما يصدر سواء بالسلب أو الإيجاب. كما أنه لا يوجد ناقد في مصر يؤثر على مبيعات أي
كتاب وهو وضع غير موجود في أي دولة بها قوائم «الأكثر مبيعًا»، هذه الفجوة نلاحظها
من اهتمام بعض الكتاب بأراء القرّاء الذين لهم نسبة متابعة عالية على موقع «goodreads» ومهاجمتهم أحيانًا إن نشروا مراجعات سلبية.
أما «الطبعات الوهمية» التي توهم بها دور النشر الكاتب والقرّاء فهي مسألة شائكة
للغاية لا تستطيع أن تعرف صدق دار النشر فيها بدون معرفتك الحقيقية بالسوق؛ فبعض
دور النشر بالفعل تقوم بوضع أرقام وهمية على الغلاف غير معبرة عن العدد الحقيقي،
وهذا لجذب نوعية من القراء تعتبر رقم الطبعة دليل النجاح قبل شراء الكتاب. من
ناحية أخرى فقدرات كل دار على طباعة طبعة كبيرة تختلف فبعض الدور قادرة على طباعة «10»
ألاف نسخة في الطبعة، بينما دور أخرى طبعتها ثابتة على الرقم «500» نسخة والأغلب
على «1000» نسخة. هذا التفاوت يصنع نوعًا
من الشك لدى بعض القراء، وهناك دار أحد كتابها حقق نجاحًا متميزًا فبينما تطبع
لغيره ألف نسخة تبدأ له بطباعة «5000» على الأقل وتسجلها كخمس طبعات. وإذا تطرقنا
إلى الأسباب التي تجعل كتابا ضمن «الأكثر مبيعًا» بالنسبة لمبيعات المكتبة، في الأغلب
شهرة الكاتب ووجود ضجة حول الكِتاب. ولا نتجاهل الظروف الاقتصادية التي تجعل
الشرائح الأكثر إنفاقًا على القراءة هي المراحل العمرية المبكرة بالذات من سن 15
إلى 20 عام. باختصار القارئ بنسبة كبيرة غير مسئول اقتصاديًا عن نفسه (وبمجرد
دخوله في دوامة العمل والتخرج ينكمش انفاقه على غير الأولويات)، تعرف على عالم
القراءة من مدة قصيرة، ويفضل عدم المخاطرة عن اختيارات أقرانه، وأصدقائه في
الشراء. لذلك نجد أغلب الكتب «الأكثر مبيعًا» ترتبط إما بمؤلف شهير أو عمل يلعب
على العواطف الصريحة (الحب أو الخوف) بلغة بسيطة مع سعر متوسط يناسب قراء تلك
الشريحة العمرية
وعلى الجانب
الأخر يوجد شريحة من القراء ممن اكتسبوا خبرة أكبر تجد لديهم اهتمامًا بأعمال أثقل؛
بداية من كبار الكتاب كنجيب محفوظ، والعقاد، ومصطفى محمود، وصولًا للكتب العلمية
العالمية كأعمال ستيفن هوكينج، لكن تمثل الأسعار عائقًا حيث أن أغلب هذه الكتب
ترجمات دور غير مصرية وأعتقد لولا هذا لوجدناها تزاحم في قائمة «الأكثر مبيعًا».


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق