الأربعاء، 30 أغسطس 2017

نجيب محفوظ.. الأديب العالمي المنعزل


أسماء بركة 

تمر التواريخ وتتابع، وكل يوم فيها يحمل ذكرى ورائحة مختلفة، منها من نذهب معها إلى البعيد، ومنها لا يؤثر في نفوسنا وعقولنا بشيء، لكن ما إن يأتي يوم الثلاثين من أغسطس كل عام-يوم الرحيل-، تضيئ في عقولنا ومضات متلاحقة كان لمُسببها أثر واضح وجليّ في شتى مجالات المعرفة والثقافة، بل وتأثيره على العالم أجمع، فقد التصق باسمه «المصري الوحيد» آنذاك حينما حصل على جائزة نوبل الدولية في الآداب سنة 1988، ليكون أول أديب عربي -مصري- يحصل عليها بقرار من الأكاديمية السويدية في  13 من أكتوبر لنفس العام.


«نجيب محفوظ»، الأديب العالمي، الذي مارس طوال حياته الأدبية كل فنون الأدب؛ فبدأ بكتابة القصة القصيرة، والمقالات، ثم الرواية، كما أن دراسته للفلسفة كان لها دور في مناقشته للقضايا والمشاكل التاريخية، والاجتماعية، والفلسفية، والنفسية، من خلال كتاباته؛ ليعبر من خلالها عن متطلبات كل عصر.

بدايته كانت الكتابة التاريخية في أولى رواياته «عبث الأقدار»، بينما الثلاثية ناقش فيها القضايا الاجتماعية وتضم «بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية»، والتي كانت سببًا في حصوله على جائزة نوبل للآداب، فهي أفضل رواية عربية في تاريخ الأدب العربي.

إذ إن الجانب الاجتماعي في كتابة «محفوظ» كان له تأثير جليّ في بروز اسمه، وتتويج نجمه لامعًا في سماء الأدب حتى اليوم، وكاتب في مكانته، من المُفترض أن يحظى بتكوين صداقات عديدة، وقاعدة عريضة بين الأدباء في عصره، إلا أن الواضح كان عكس ذلك تمامًا، فقد كان يُفضل العُزلة، وليس من اليسير عليه انخراطه في العلاقات الاجتماعية وتكوين صداقات أيًا كانت، سوى أصدقاءه القدامى، الذي كان يطلق عليهم «الحرافيش»؛ ففي إحدى لقاءاته التليفزيونية النادرة على تليفزيون قطر، عقب حصوله على جائزة نوبل، أكد فيه أنه رغم تواجده في زمن «محمود عباس العقاد»، و«طه حسين»، و«توفيق الحكيم»، و«إبراهيم عبدالقادر المازني»، «عبدالحميد جودة السحار»، و«توفيق الحكيم»، إلا أنه لم يُصادق منهم سوى «توفيق الحكيم»، ولم يسعى «محفوظ» إليه، بل «الحكيم» هو من استدعاه عام 1947 بعد قراءته لرواية «زقاق المدق»، التي صدرت في هذا العام، بعدما طلب مدير الأوبرا آنذاك من «الحكيم» قراءتها، واستمرت الصداقة بينهم لـ 40 عامًا.

وإذا عُدنا إلى بدايات «نجيب محفوظ» في الكتابة أثناء المرحلة الثانوية، ومراسلته لمجلة «المجلة الجديدة» التي أسسها الكاتب الصحفي «سلامه موسى» عام 1929، ونشره لكل ما يُرسله «محفوظ»، من مقالات فلسفية ونقدية، وقصص قصيرة، حتى بعد تخرجه في الجامعة، ومن هنا بدأت معرفته بـ «موسى» الذي تتلمذ على يديه واعتبره الأب الروحي له، ورغم ذلك لم يذكر «موسى»، «محفوظ» سوى في مقال واحد فقط  كتبه في «يوميات الأخبار» عام 1957 قبل وفاته بأشهر قليلة، تحدث فيه عن روايته «بين القصرين».

فكاتب وأديب عالمي، وجد في زمن عباقرة من الأدباء، وحصل على جائزة نوبل، اشتهر بحبه للعزلة، وعدم تكوين علاقات اجتماعية، أو لقاءات إلا بالصدفة، وارتباطه بمن يحب منهم ارتباط روحي فقط، أين هو ممن يطلقون على أنفسهم اليوم «كُتاب» بعد كتاباتهم بضع قصص قصيرة، ممن يحرصون على فرض أنفسهم فوق بُساط الأدب، وزمجرتهم ممن لا يُفخِم ويُعظم من كلماتهم؟!

خلال الأيام القليلة الماضية استوقفتني عدة منشورات على موقع «الفيسبوك»، لكُتاب غاضبون ممن قاموا بنقد عمل لهم، وكأن الدنيا انتهت– وانطبقت السما على الأرض- وكأنهم المُنزّلين الذين لا يوجه لقلمهم نقد ولا لوم، وآخرين يسقطون غضبهم على من لا يحضر حفلات توقيعهم، أو بالأحرى يسقطون غضبهم على من لم يحضر فرحهم العائلي الذي يضم المُقربين له، وسرعان ما تتحول منشوراتهم إلى سيمفونية يذم فيها هؤلاء كما يروق له.

هذه الفترة انقلبت الأمور رأسًا على عقب، فلم تعد الكتابة مسعى كامل للمعرفة، والتثقيف، وتبادل الآراء، والمناقشة، واستخلاص نتائج أفضل تساعدنا على الارتقاء العقلي، والفكري، والمجتمعي، بل أصبح سباق بين أطراف لا حصر لها، ضاربين بكل المبادئ عرض الحائط للوصول، الذي أراه أنه وصول  يسير بخطوات ثابته نحو الهاوية.

على الرغم من أن هدف النقد تثقيف الكاتب ذاته، وتطوير أدواته، وتحسين لغته، وتوسيع مداركة، ومعرفة وجهات النظر المختلفة في تقييم العمل والوقوف عليها لتحقيق الاستفادة بموضوعية تامة، من أجل الحفاظ على الآدب الجيد؛ لكن كان هذا قديمًا، أما اليوم -سوى قلة قليلة- من النقاد والكُتاب، النقد بينهم قائم على العلاقات الشخصية، والدعاية والإعلان للترويج لعملهم، وإقامة أحزاب لها أراء مُغايرة  بين بعضها البعض، يقف كل حزب ممسكًا -السكين- للآخر.

لمَ كل هذا التعصب، والانحياز، والذاتية، التي فاضت بالمكان من حولنا؟!

نحن أمة "اقرأ" فدعونا نقرأ بحرّية، اعملوا على بناء رسالتكم بنزاهة، ساعدونا في بناء العقول، وبث الأمان بين السطور، ساعدونا على مُناقشتكم، وتقييمكم دون الخوف من هجومكم. ساعدونا في بناء جيل واعي فعلًا لا قولًا، ها هي عقولنا بين أيديكم فاسكبوا داخلها الصالح.

وأخيرًا.. هو قالك نجيب محفوظ أديب إيه؟ 

المقال منشور على موقع اليوم الجديد اضغط هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق