الأحد، 17 سبتمبر 2017

العاطفة سر نجاح الموسيقار



أسماء بركة ونرمين حلمي 

هناك قلة قليلة يكتشفون موهبتهم في الصغر، وقلة قليلة أيضًا من الآباء تساعد أبنائهم على تنميتها والوقوف معهم دون اعتراض، لتحقيق ما يُصارع داخلهم، وبتنمية موهبه "ملك الموسيقى" حقق لنا نجاحًا على صعيد الموسيقى العربية في الشرق الأوسط حتى يومنا هذا، فحقًا هو اللحن الذي لا يموت، بدأت ظهور موهبه "بليغ حمدي" في التاسعة من عمره، فسمع والده لها، واشترى له عودًا يُصاحبه طيلة الوقت، ليبدع لنا حتى يومنا هذا، فكان استناده للنجاح يقتضي ضرورة التعمق في الذات.


فالتلحين هو الموهبة التي كانت تلازمه؛ وبرغم ذلك عرفناه في بدايته كمطرب في الإذاعة ضمن فرقة "ساعة لقلبك" التي كان يديرها الموسيقار المصري محمد الشجعاني آنذاك، وحسبما عََبّرَ "بليغ حمدي" في إحدى لقاءاته التليفزيونية عن كيفية استقطاب اللحن لأغانيه؟ عَبّرَ بمفهومة " أن اللحن لا وقت لهجومه، يتوغل ويقتحمه في أي وقت، فقط عندما تأتي له نقطة البداية، لا تستأذن وتُبادر بالسيطرة عليه"، وهذا ما حدث معه في أولى تجاربه في عالم التلحين في أغنية "ليه لا" للمطربة المصرية "فايدة كامل"، بناء على طلب الموسيقار الشجعاني بتلحينه لها.

أما عام 1959 هي بدايته الحقيقية في التلحين عندما لحن أغنية "حب إيه" للمطربة أم كلثوم عن طريق الصدفة الباحتة، فهو لم يكن ينتوي على الشروع في تلحينها، إذ إن كان من المقرر تلحينها من قبل الفنان الراحل "محمد فوزي"، وتعد "حب إيه" هي من أعطت له قوة ودفعه، وكان في ذلك الوقت في العشرينيات من عمره، وبها ثبت أقدامه في عالم التلحين بجذور قوية في وقت لم يعرفه فيه أحد، وكانت "فاتحة الخير".

ومسيرته الفنية جنى منها ثمار طيبة، ليس فقط في التلحين، بل في اكتشاف مواهب غنائية من أقطار الوطن العربي، والتلحين لكبار المطربين أيضًا.

وإذا تطرقنا إلى أهم عوامل النجاح من وجهة نظر "بليغ حمدي" نجد أنها تتجسد لديه في "العاطفة" فهي المحرك الأساسي له، لذا كان من واجبنا الوقوف عند السبب، لحصد النتائج وعرضها.

فكان "حمدي" الكاتب في بعض الأحيان تحت اسم "ابن النيل"، والمُلحن تحت اسمه، والمُتيم الوحيد بعشق "وردة الجزائرية" التي تعتبر فترة ارتباطهم، هي من أنجح الفترات الفنية لكليهما طيلة حياتهم.

 وتعود بداية الحكاية الأسطورية حينما عشقت طفلة المراهقة فنانًا دونما أن تراه. بدأ الفصل الأول من القصة عندما عشقت "وردة" وهي في سن السادسة عشر ملحن أغنية "تخونوه" للمطرب الراحل عبدالحليم حافظ، التي سمعتها ضمن أغاني فيلم "الوسادة الخالية" عام 1957، والتي كانت في الأصل خصيصًا للفنانة الراحلة ليلى مراد، لكن بعد تفاهم عبدالحليم معها وطلبه منها الأغنية حتى تخدم فيلمه، وافقت على التنازل عنها بكل رضا؛ فكانت من حظة، لتبدأ معها "وردة" طرق باب الحب، مع الملحن المجهول التي لم تعرف عنه سوى لحنة فقط، ومن ثم عَشقته، بعد أن عرفت أن  اللحن لملحن اسمه "بليغ حمدي"، فقد كانت "تخونوه" هي بداية شرارة الحب من طرف "وردة" والصدفة أيضًا، لتظل منذ ذلك الوقت تترقب مقابلته، إلى أن جاءت إلى مصر، وتقابلا في بيت الفنان محمد فوزي. كما ساعدت ألحان بليغ المُخصصة لوردة الجزائرية أن تزيد من عشقهما معًا وتوصل درجة حُبهم إلى ذروته.

  - "فات الهوى على حيينا قولنا له أدي العينة.. من قدنا ميين...ميين زينا مين..  ده البدر شافنا واتلوا."

1962م.

 تبلورت قصة حبهم وسطعت في سماء النجومية مع أول فيلم يجمعهم معًا "ألمظ وعبده الحامولي"، عام 1962م، والذي كان بداية معرفة وردة بمصر، وأيضًا أولى أعمالها السينمائية؛ فبعدما سمعها المخرج "حلمي رفلة"، في أغنية "جميلة بو حيرد"  أثناء تواجده لحضور مهرجان "أضواء المدينة" عام 1960 أصر على مشاركتها؛ ليعرض عليها دور الفيلم عقب عودتها إلى بيروت مباشرة.

وبدأت فيه يتجلى تناغم "بديع" و "وردة"  عِبر عبقرية ألحانه، وذكائها، وحسها الفني المرهف والمتميز، وقد قدما معًا للفن أيقونات غنائية متميزة، يتوارثها الأجيال عِبر الأزمنة، واتضح ذلك جيدًا من خلال نجاح وتميز أغانيهم في تلك الفترة، وأنتجا معًا ملحمة غنائية فريدة، كما حدث في أغنية "يا نخلتين في العلالي"، وهى من كلمات صالح جودت وألحانه، غنتها "وردة" وكأنها تشدو برقة وبحنان، كي توصف حالهما معًا، وتزف طاقة حبهما إلى كل العالم قائلة:

 " يا نخلتين في العلالي يا بلحهم دوا.. يا نخلتين على نخلتين طابوا ليالي الهوا..".

فقد كانت تلك الأغنية هي شرارة الحب الأولى بينهم؛ وأول لقاء لهم، فقد قال بليغ نصًا "أنا عمري في حياتي ما اهتزيت لعاطفة إمرأة، إلا لما شوفت وردة لأول مرة، وأنا بسلم عليها"

ولأن أغلب قصص الحب تتعرض للعديد من التحديات في سبيل الاستمرارية ، فكانت بداية نقطة الصراع لقصتهم معًا على نغمات الأغنية التالية.

"غلبني الشوق وغلّبني وليل البعد دوبني، ومهما السهد حيرني ومهما الشوق يسهرني، لا طول بعدك يغيرني ولا الأيام بتبعدني، بعيد عنك..."

1965 م.

بعيد عنك.. بعيد عنك حياتي عذاب.

بثت "أم كلثوم" في تلك الفترة رسائل "بليغ حمدي" إلى "وردة الجزائرية" عِبر كلمات "مأمون الشناوي". كانت ألحان "بليغ" السبيل الوحيد للتعبير عن حبه الضائع، ولوعة قلبه وحرقته على ضياع محبوبته، بعدما تَقدم لخطبة "وردة" ورَفض والدها، وأجبرها على السفر للجزائر والزواج من المناضل الجزائري "جمال القصيري"، والذي استمر زواجها منه قرابة عشرة أعوام.

حاول "بليغ" أن يتخطى المرحلة، ولكنها باءت بالفشل، لتثبت له قوة تمسكه وحبه الشديد لوردة.

تزوج "بليغ" أيضًا ولكن لم يستمر زواجه سوى عام واحد، فكتب "بليغ" حينها رسالته التلقائية الغير مباشرة إلى وردة، ليؤكد ويجزم لها " بعيد عنك حياتي عذاب".

سارت حياتهم كل منهم في طريق، لتلعب الصدفة تلك المرة دورها البارز  ليلتقيا معًا بعد مرور عشر سنوات من الفِراق، في حفل استقلال الجزائر، حينما أمر رئيس الجزائر في ذلك الوقت، بضرورة إحياء "وردة" أغنية الحفل، ولم يلق زوجها "جمال القصيري" المُعارض لغنائها بُد من الموافقة والترحيب، وكان على حد علمها أن الأغنية من تلحين "رياض السنباطي" لكنة أصيب بإعياء شديد منعه من الحضور، ليحل محله "بليغ حمدي"، ويُلحن من جديد "لمحبوبته" بعد انقطاع دام سنوات عِنوه. ولم يتجاهل "حمدي" تلك الفرصة بدعوة "وردة" للعودة من جديد للغناء، وهنا تحكمت روح العاشق من داخله ليُبدع في أغنية "العيون السود" الذي كتبها خصيصًا لها، وحفظها داخل أدراجه، فكان يتملكه يقين بأنها قريبًا ستعود، وهي من سيغنيها، وقد حدث، فكانت تحمل رسالته لها، وحكى فيها قصة حبهم التي عادت من جديد، وبعد أكثر من عام ونصف، عادت وردة إلى مصر لتغنيها في فيلم "صوت الحب".

 - "وعملت إيه فينا السنين عملت إيه/  فرقتنا لا .. غيرتنا لا/ ولا دوب  فينا الحنين ..السنين / لا الزمان ولا المكان قدروا يخلو حبنا .. ده يبقى كان يبقى كان الزمان / وبحبك والله بحبك والله والله والله بحبك / قد العيون السود أحبك / وانت عارف ما انت عارف قد ايه كتيره وجميله العيون السود في بلدنا يا حبيبي"

1973 م

وبعد فِراقٍ، كُتب لهم الزواج عام 1972، والذي استمر 7 سنوات، لتكون تلك الفترة هي الأزهى والأنجح في حياة كل منهم على المستوى العملي، وعرفت بأنها "فترة الوهج الفني لهم" نظرًا لأن العاطفة هي القاسم المشترك بينهم، كما قالت وردة حينما سوئلت عن أسباب نجاح أغانيها التي لحنها لها "بليغ حمدي" قالت " السبب الحب المُتبادل بين الشريكين، فما بالك بحبي لفنه، ولشخصه، ولروحه معًا"

فقد لحن لها "بليغ حمدي" في تلك الفترة أكثر من 80 لحن، إلا أن أغنية "خليك هنا – الوداع" التي غنتها عام 1973، من كلمات الشاعر محمد حمزة، وتلحين "بليغ حمدي" هي أفضل أغنية ظهر من خلالها انصهارهما وامتزاجهما معًا، حيث حملت قمة العواطف، والحب، والنجاح لهما معًا.

وكذلك أيضًا قال "بليغ حمدي" "الحب من سمات الفنان، واللي مافيش جواه حب، ما أعتقدش إن جواه فن" ليُثبت صحة تلك النظرية.

ولكن تلك الحالة المشتركة لم تستمر طويلًا، فقسمهم الطلاق نصفين، ليتبادلوا أدوار الصداقة معًا، بدلًا من دور الزوجين، وهنا تجلى إبداع "بليغ حمدي" أيضًا في أخر ما لحن لـ "وردة" في أغنية "بودعك" لحنها لها في غربته خارج مصر، وكانت من ضمن رسائله لها

- "بودعك وبودع الدنيا معك/ جرحتني قتلتني وغفرت لك قسوتك / بودعك من غير سلام ولا ملام ولا كلمه مني تجرحك أنا اجرحك / بسم الآلام ارحل أوام حبي الكبير حيحرسك في سكتك...الله معك"

1979 م

كانت "وردة" هي الأقرب لـ "بليغ حمدي" في أزماته، حتى عند اتهامه في قضية انتحار المغربية "سميرة مليان"، التي اتهم فيها، نظرًا لوقوعها في بيته، توسطت له لدى وزير الداخلية آنذاك زكي بدر، وهددت بالاعتصام أمام السجن لحين الإفراج عنه. وبالفعل خرج "بليغ حمدي" من القضية.

ظل "بليغ حمدي" يستمد إلهامه من "وردة" حتى بعد الطلاق، قال "بليغ" إنه أخذ منها الحب، والحنان، والدفا، والرقة، والصدق على الآله. وأضاف أيضًا أنه خرج من تجربة طلاقه منها "بأن الإنسان أحيانًا يكون عنيد مع نفسه بدون داع أو تفكير" ليؤكد بذلك خسارته لها.

وكما ارتبط اسم "ملك الموسيقى" ببليغ حمدي، وارتبط اسم "أميرة الغناء العربي" بوردة الجزائرية، ارتبط أيضًا اسم "بليغ ووردة" معًا طيلة حياتهم الفنية، وحتى بعد وفاتهم.

برحيل "ملك الموسيقى" افتقدنا أسلوبه وبصمته في عالم الغناء، وتطويره له، فقد كان "رائد مدرسة التجديد في الغناء العربي".

الملف منشور على موقع اليوم الجديد اضغط هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق